فوزي آل سيف
54
أنا الحسين بن علي : صفحات من السيرة المغيبة عن الأمة
قَعَدَ فِي بَلَدِهِ، فَإنَّ ما قَصَدَهُ مِن تَحْصِيلِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ شَيْءٌ، بَلْ زادَ الشَّرُّ بِخُرُوجِهِ وقَتْلِهِ، ونَقَصَ الخَيْرُ بِذَلِكَ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشَرٍّ عَظِيمٍ"[77]. وهذا نحو من التعبير يستعمل فيه التلبيس والمواربة حتى لا يقال هو يهاجم الامام الحسين، فلقد اعتبر هؤلاء بما حصل لابن العربي حينما عبر بنحو يستفاد منه أن الحسين قتل بسيف جده فصارت صدمة لمن يقرأ ذلك الكلام فاضطر بعض هؤلاء لأن يعبروا عن آرائهم بنحو لا يكون مباشرًا، وهنا هذا الذي حصل فالقارئ ينتهي إلى هذه المجموعة من الآراء: خروج الحسين لا مصلحة دنيوية ولا دينية فيه (يعني هو خروج عبثي لا يترتب عليه فائدة ولا أجر) وكان ينبغي عليه أن يقعد في بلده إذ لو قعد هناك لما حصل قتله! بل إن هذا الخروج زاد في الفساد الموجود حينئذ ونقص من الخير وصار سببا لشر عظيم!! ماذا تفهم عزيزي القارئ من هذا الكلام؟ ثم لا بأس لتغطية هذه السوءات أن يقال: فقتلوه مظلوما شهيدا!! وهناك دَرَك أسوء من هذا وقع فيه الشيخ محمد الخضري[78] " حين قال: وعلى الجملة فإنّ الحسين أخطأ خطأً عظيمًا في خروجه هذا، الذي جرّ على الأمّة وبال الفرقة والاختلاف، وزعزع عماد ألفتها إلى يومنا هذا، وقد أكثر الناس من الكتابة في هذه الحادثة لا يريدون بذلك إلّا أن تشتعل النيران في القلوب، فيشتدّ تباعدها. غاية ما في الأمر أنّ الرجل طلب أمرا لم يهيّأ له، ولم يعدّ له عدّته، فحيل بينه وبين ما يشتهي وقتل دونه، وقبل ذلك قتل أبوه، فلم يجد من أقلام الكاتبين ومن يبشّع أمر قتله ويزيد به نار العداوة تأجيجاً، وقد ذهب الجميع إلى ربّهم يحاسبهم على ما فعلوا، والتاريخ يأخذ من ذلك عبرة وهي: أنّه لا ينبغي لمن يريد عظائم الأمور أن يسير إليها بغير عدّتها الطبيعيّة، فلا يرفع سيفه إلّا إذا كان معه من القوّة ما يكفل النجاح أو يقرب من ذلك، كما أنّه لا بدّ أن تكون هناك أسباب حقيقيّة لمصلحة الأمّة،
--> 77 ) الحراني: أحمد بن تيمية: منهاج السنة 4/ 531 78 ) محمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالشيخ محمد الخضري بك. توفي 1345هـ، تخرج من كلية دار العلوم من جامعة القاهرة وعين مدرسا للتاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية، وفيها القى محاضراته حول الدولة الاموية والعباسية والتي ستصبح كتابا فيما بعد، له كتب منها (أصول الفقه) و (تاريخ التشريع الإسلامي) وغيرها..